محمد كرد علي
200
خطط الشام
الغزل والحياكة والنساجة : كانت النساجة والحياكة والغزل راقية في معظم ما عرف من أدوار الارتقاء وقلما أخرجت الشام رذالة المتاع ورديثه ، بل كانت تخرج جيده ونفيسه ، وكان أهلها ولا يزالون يحسنون غسلها ونفشها ومشطها وحلجها وفتلها ومشقها وحياكتها ونسجها . واشتهر القطر منذ القديم ببزه وقماشه وديباجه وخزه وبروده وكان للدباجين صناع الديباج والأكسية والمسوح صناعة رابحة ، وإلى اليوم لم يبرح حلاجو القطن ، ومنهم من يستعمل لها الآلات الإفرنجية الحديثة ، ومنهم من اقتصر على القوس والنداف على الطريقة القديمة في الحلج والغزل في مغازل أولية تدار بالأيدي يخرجون بها كل ما يقوم بالحاجة . أخذت معظم المدن والبلدان حظها من هذه الصناعات ، فاشتهرت في غابر الدهر مدينة أعناك في حوران بأكسيتها الجيدة اشتهارها ببسطها ، وعرفت بعلبك بثيابها المنسوبة إليها من الأحزام والمشدّات وثوبها المعروف بالبعلبكي . وتأفقت شهرة الثياب البلعسية نسبة إلى كورة البلعاس من عمل حمص على الأرجح . وعرفت منبج بالأكسية التي كانت تعمل فيها وتنسب إليها فيقال « الأنبجاني » والأنبجاني كساء صوف له خمل ولا علم له وهي من أدون الثياب . ومن ثيابهم الخميصة الشامية وهي برنكان أسود معلم من المرعزّى والصوف ونحوه أو كساء أسود مربع له علمان ، وقد تكرر في الحديث الشريف ذكر الأنبجاني والخميصة . والخميصة قد تكون من الحرير والبرنكان والبرّكان والبرّكاني والبرنكاني الكساء الأسود وجمعه برانك . وكان يعمل في صفد من الثياب ما يقال له الصفدية . وتعمل الثياب الحفية نسبة لكورة الحفة غربي حلب . وكان لأهل رصافة هشام بن عبد الملك في غربي الرقة حذق في عمل الأكسية وكل رجل فيها غنيهم وفقيرهم يغزل الصوف والنساء ينسجن . وكانت تعمل في الشام الأكسية المرنبانية قال ابن سيده : يقال كساء مرنباني ومؤرنب فالمرنباني لأنه لون الأرنب والمؤرنب ما قد خلط في غزله وبر الأرانب ، ويقال بل هو كالمرنباني . وكانت تصنع فيها القطيفة المخملة أي ذات الخمل وهي المخمل . واشتهرت حمص بمصنوعاتها من ثياب وفوط وغيرها وقيل : إن حمص تتلو